عبد الكريم الخطيب

943

التفسير القرآنى للقرآن

ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ » . . وقدّم أيوب على إسماعيل ، مع أنه فرع من إبراهيم ، وإسماعيل أصل . . لأن أيوب طالت محنته ، وطال انتظاره في موقف البلاء سنين ، وهو صابر ومصابر ، ولم يضجر ، ولم يتكثر من الأنين والشكوى . أما إسماعيل فقد كان ابتلاؤه لساعة من الزمن ، ثم انجلى الكرب وزالت المحنة . . ومن جهة أخرى ، فإن إسماعيل كان - في مواجهة هذا الابتلاء ما يزال غلاما ، لم يقع في نفسه ، وقوعا واضحا كاملا أثر هذا الفعل الذي هو مساق إليه . . ولهذا كانت البلوى ، أو كان الجانب الأكبر منها واقعا على أبيه إبراهيم ، ومن أجل هذا كان حسابها مضافا إلى إبراهيم ، وإن كان لإسماعيل حسابه ، وهو حساب وإن قلّ - بالإضافة إلى أبيه - هو شئ عظيم رائع ، ترجح به موازينه في الصابرين من عباد اللّه . . وذلك على حين كان أيوب في دور الرجولة ، وفي حال لبس فيها الشباب ، والصحة ، وذاق حلاوة الغنى ، وعرف طعمها ، فكان انتزاع هذا كله منه ، أشدّ وقعا وأمرّ طعما مما لو وقع عليه ابتداء . هذا وقد ذكر مع إسماعيل « إدريس » و « ذو الكفل » . أما إدريس فهو ممن ذكرهم اللّه من أنبيائه ، كما يقول سبحانه : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا : » ( 56 : مريم ) . . ولم يذكر القرآن عن إدريس أكثر من أنه كان نبيا وكان من الصابرين . . فلم يكن له في القرآن قصة كقصة ، صالح ، وهود ، وإبراهيم ، ولوط ، وموسى ، وغيرهم من رسل اللّه . . وأما « ذو الكفل » فلم يذكر إلا في هذا الموضع ، وقد اجتمع مع النبيين الكريمين : إسماعيل وإدريس ، وشاركهما في صفة الصبر . . كما يقول سبحانه « كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ » . .